الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

328

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

من الإسراء ببني إسرائيل وما معه من اتباع فرعون إياهم وانفلاق البحر وإزلاف بني إسرائيل واقتحام فرعون بجنوده البحر ، وانضمام البحر عليهم قد تم ، ففي الكلام إيجاز حذف جمل كثيرة يدل عليها كَمْ تَرَكُوا . و كَمْ اسم لعدد كثير مبهم يفسّر نوعه مميز بعد كَمْ مجرور ب مِنْ مذكورة أو محذوفة . وحكم كَمْ كالأسماء تكون على حسب العوامل . وإذ كان لها صدر الكلام لأنها في الأصل استفهام فلا تكون خبر مبتدأ ولا خبر ( كان ) ولا ( إنّ ) وإذا كانت معمولة للأفعال وجب تقديمها على عاملها . وانتصب كَمْ هنا على المفعول به ل تَرَكُوا أي تركوا كثيرا من جنات . و مِنْ مميزة لمبهم العدد في كَمْ . والمقام بفتح الميم : مكان القيام ، والقيام هنا مجاز في معنى التمكن من المكان . والكريم من كل نوع أنفسه وخيره ، والمراد به : المساكن والديار والأسواق ونحوها مما كان لهم في مدينة ( منفسين ) . والنّعمة بفتح النون : اسم للتنعم مصوغ على وزنة المرة . وليس المراد به المرة بل مطلق المصدر باعتبار أن مجموع أحوال النعيم صار كالشئ الواحد وهو أبلغ وأجمع في تصوير معنى المصدر ، وهذا هو المناسب لفعل تَرَكُوا لأن المتروك هو أشخاص الأمور التي ينعم بها وليس المتروك وهو المعنى المصدري . و فاكِهِينَ متصفين بالفكاهة بضم الفاء وهي اللعب والمزح ، أي كانوا مغمورين في النعمة لاعبين في تلك النعمة . وقرأ الجمهور فاكِهِينَ بصيغة اسم الفاعل . وقرأه حفص وأبو جعفر فَكِهِينَ بدون ألف على أنه صفة مشبهة . وقوله : كَذلِكَ راجع لفعل تَرَكُوا . والتقدير : تركا مثل ذلك الترك . والإشارة إلى مقدر دل عليه الكلام ومعنى الكاف ، وهذا التركيب تقدم الكلام عليه عند قوله : كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً في سورة الكهف [ 91 ] . وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ . عطف على تَرَكُوا أي تركوها وأورثناها غيرهم ، أي لفرعون الذي ولي بعد موت منفطا وسمي صطفا منفطا وهو أحد أمراء فرعون منفطا تزوج ابنة منفطا المسماة طوسير التي خلفت أباها منفطا على عرش مصر ، ولكونه من غير نسل فرعون وصف هو وجنده